محمد بن جرير الطبري

27

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

جسده حتى تقطع لحمه وجلده وعروقه ، ينضح خلال ذلك بالخل والخردل . فلما رأى ذلك لم يقتله ، امر بسته مسامير من حديد فأحميت حتى إذا جعلت نارا ، امر بها فسمر بها رأسه حتى سال منه دماغه فلما رأى ذلك لم يقتله ، امر بحوض من نحاس ، فأوقد عليه حتى إذا جعله نارا امر به فادخل في جوفه ، وأطبق عليه ، فلم يزل فيه حتى برد حره . فلما رأى ذلك لم يقتله ، دعا به فقال : ا لم تجد ا لم هذا العذاب الذي تعذب به ! فقال له جرجيس : ا ما أخبرتك ان لك ربا هو أولى بك من نفسك ! قال : بلى قد أخبرتني ، قال : فهو الذي حمل عنى عذابك ، وصبرنى ليحتج عليك فلما قال له ذلك أيقن بالشر ، وخافه على نفسه وملكه ، واجمع رايه على أن يخلده في السجن ، فقال الملا من قومه : انك ان تركته طليقا يكلم الناس أوشك ان يميل بهم عليك ، ولكن مر له بعذاب في السجن يشغله عن كلام الناس فامر فبطح في السجن على وجهه ، ثم أوتد في يديه ورجليه أربعة أوتاد من حديد ، في كل ركن منها وتد ، ثم امر باسطوان من رخام ، فوضع على ظهره حمل ذلك الاسطوان سبعه رجال فلم يقلوه ، ثم أربعة عشر رجلا فلم يقلوه ، ثم ثمانية عشر رجلا فاقلوه ، فظل يومه ذلك موتدا تحت الحجر . فلما ادركه الليل ارسل الله اليه ملكا - وذلك أول ما أيد بالملائكة ، وأول ما جاءه الوحي - فقلع عنه الحجر ، ونزع الأوتاد من يديه ورجليه ، وأطعمه وسقاه ، وبشره وعزاه ، فلما أصبح اخرجه من السجن ، وقال له : الحق بعدوك فجاهده في الله حق جهاده ، فان الله يقول لك : ابشر واصبر ، فانى أبتليك بعدوي هذا سبع سنين ، يعذبك ويقتلك فيهن اربع مرار ، في كل ذلك أرد إليك روحك ، فإذا كانت القتله الرابعة تقبلت روحك واوفيتك اجرك فلم يشعر الآخرون الا وقد وقف جرجيس على رؤوسهم يدعوهم إلى الله . فقال له الملك : ا جرجيس ! قال : نعم ، قال : من أخرجك من السجن ؟